أخر خبر

التربية الإيجابية.. ودورها في إعداد الأطفال للمستقبل

بقلم : أ.د.مها عبد القادر

(أستاذ أصول التربية كلية التربية للبنات بالقاهرة – جامعة الأزهر)

تقوم التربية على تعديل السلوك بآليات احترافية على مدار من الزمن وفق استراتيجيات متنوعة ومناخ داعم يستقطب المتعلم ويدفعه نحو اكتساب خبرات تعليمية متنوعة تسهم في تكوين شخصيته وتمكنه من أن يكون راقيًا في تعاملاته، ومن ثم يصبح نافعا لمجتمعه، وتعتبر التربية الإيجابية أسلوب تربوي يركز على تعزيز الرفاهية والنمو الشخصي والتعلم الإيجابي للأفراد، وتعتمد على الدمج بين أسس علم النفس الإيجابي والتعليم الذاتي للفرد؛ بهدف تحقيق صحة نفسية جيدة له وتعزيز القدرات الإيجابية لديه ونمو الخبرات الأكاديمية بصورة مقصودة؛ فهي تؤكد على أهمية تحديد أهداف محددة وصعبة وتقديم ردود الفعل لتأكيد الدافع والمشاركة والإنجاز والرفاهية والمرونة، كما تركز علي تنمية القدرات والمهارات الإيجابية لدى الفرد مثل” التفكير المرن، والتفاؤل، والإصرار، والسعادة، والرضا، والعلاقات الاجتماعية الصحيحة”.
وتهدف التربية الإيجابية إلى تنمية الجوانب الإيجابية للأفراد في ممارسة الحياة اليومية ومتابعة النمو الشخصي والتميز بالمجالات المختلفة من خلال اكتشاف القدرات والمواهب، وتعديل أساليب معامله وتنشئة وتربيه الأطفال لتركز على الدافعية الداخلية، والأمل، والوجدان الإيجابي، والإبداع داخل الأسرة والمنزل والمؤسسات التعليمية، وفهم وتنمية الدوافع والقيم الأخلاقية والروحية والثقة ومهارات التواصل وغرسها داخل الأفراد والناشئة بالمجتمع، كما تعمل علي تحسين الحياة الأسرية من خلال فهم ديناميات الحب، والأصالة، والالتزام والانتماء، وإذكاء شعور الرضا الوظيفي عن العمل عبر مختلف مراحل الحياة؛ وذلك بمساعدة الأفراد على تقبل العمل وتكوين اتجاهات إيجابية عنه والاندماج فيه، ومعايشة ما يعرف بخبرة التدفق؛ حيث تتكون لديه حالة مثالية تجعله يؤدي المهام بأقصى درجات الأداء والاستغراق فيه ونسيان الوقت والمكان والذات والاستمتاع بما يعمل، وصولا إلى تحقيق إنجازات مبدعة.
وقد أكدت النظرية الموجهة للتربية الإيجابية على الاهتمام بعدة مهارات مثل الفاعلية في العلاقات والتأثير في الحياة والانضباط الذاتي والقدرة على التحكم في النفس وفهم المشاعر الشخصية، كما تحث على كل ما ينمي المشاعر الإيجابية لدى الطفل وينحي المشاعر السلبية جانبا، وتعتمد نظرية التربية الإيجابية على حاجتين أساسيتين هما ” الانتماء والشعور بالأهمية “.

وهي نظرية نفسية تطورت على يد العالم “كارل روجرز” في العملية التعليمية، وركزت على أهمية العلاقة بين المعلم والطالب وتتضمن المبادئ والافتراضات الأساسية للنظرية الموجهة أهمية التنظيم الذاتي، والحاجة إلى التغذية الراجعة، ودور التحفيز في تحقيق الأهداف، وتعتمد على فهم الطالب بشكل شامل ووضع احتياجاته ورغباته في صميم التعليم وتؤكد النظرية الموجهة في التربية على الاحترام والتفهم والقبول للطلاب كأفراد فريدين، وتعتبر العلاقة الإنسانية بين المعلم والطالب عاملاً حاسمًا في تحقيق التعلم والتطور الشخصي.
وترتكز التربية الإيجابية على عدة مبادئ وهي: الاحترام المتبادل بين الآباء وأبناء، وضرورة الموازنة بين نموذج الحزم واللطف، فالحزم يكون باحترام الكبار لنفسه وأبنائه، واحترام متطلبات الموقف واللطف يكون باحترام الطفل واحتياجاته، والاشتراك في وضع القوانين والقواعد التي تطبق علي كلا من الإباء والأبناء، وهذا يصنع احتراما متبادلا وثقة كبيرة في الأبوين، ويجنب الكثير من الجدل والغضب الناتج عن الحزم في المواقف الصعبة، وتطبيق ثقافة الاعتذار من الأبوين عند الخطأ، فهذا يؤكد للطفل أن الخطأ أمر طبيعي، وأن الإنسان يخطئ ويصيب مما يجعله يحاول إصلاح أخطائه بطريقة فاعلة.

وينبغي فهم عالم الطفل؛ فالطفل ليس عنيدا، ولكنه يبحث عن الاستقلال، ويرغب في استكشاف واستطلاع ما حوله والتعبير عن ذلك بكثرة الأسئلة والبحث والتحري؛ فلابد من وجود ثقافة تربوية تعين وتعرف بدقة مراحل تطور الطفل النفسية والبدنية وتجنبنا الكثير من الصدامات مع الطفل الذي يمر بمراحل نمو حساسة لها متطلبات محددة قد يسيء فهمها الوالدان نظرا لنقص المعلومات لديهم حولها؛ فكل طفل يبحث عن الثقة والأمان والحب والاستقلال وتكوين الشخصية.
وثمت ضرورة حيال الاستماع الجيد وإظهار التعاطف ومشاركة الطفل مشاعره وأفكاره عند الحاجة، وعدم إصدار الأحكام، وتوصيف مشاعره ومساعدته في فهمها مما يجعله يستطيع التعامل معها لاحقا ومن المفيد مساعدة الطفل على إيجاد حلول تنبع منه لا من والديه، عن طريق أخذ راية بالمشكلات وطرح حلول لها؛ بحيث يدرك أبعاد الموقف ويقيم مشاعره ويستطيع اتخاذ موقف والمساعدة في حل المشكلة مما يشجعه وتزيد ثقته في نفسه وقدرته على الإنجاز.
والتربية بصفة عامة والتربية الإيجابية تساعد على تغيير المعتقدات بدلا من التركيز على تغيير السلوك الظاهري، فاختيار الحلول الفعّالة على المدى البعيد يثمر عنه تغيير المعتقدات ومن ثم تغيير السلوكيات الخطأ واستبدالها بسلوكيات أفضل، فنوبات الغضب مثلا هي سلوك سلبي ينتج عن طفل يشعر بالإحباط، وقد يكون الحل الفاعل على المدى القريب هو أن تعطيه كل ما يريد حتى يهدأ، وحينها يتكرر الفعل دائما طلبا للمزيد، بينما الحل الفاعل على المدى البعيد هو أن تخبره بأنك تقر مشاعره ورغبته في الفعل ولكنك لا تستطيع الاستجابة له الآن حتى يهدأ أو تتغير الظروف، وحينها سيتعلم السيطرة على رغباته وتهدئة نفسه بنفسه.
ومن أنجح طرق التهذيب أسلوب العواقب ؛ حيث نجعل لكل تصرف خاطئ عاقبة تتناسب معه وتكون بمثابة نتيجة مباشرة ومنطقية له، كأن تكون عاقبة إساءة استخدام الألعاب وتكسيرها مثلا هو أخذها بعيدا مع الإشارة لأسباب هذا التصرف وأنها متاحة حين يود استخدامها استخداما جيدا مرة أخري، بدلا من العقاب البدني أو اللفظي أو حتى النفسي ” كالتجاهل أو وضع الطفل في ركن العقاب ” فكل هذه الطرق تجعل الأمور تتفاقم وتنتج شخصية مشوهة أما ساخطة أو متمردة أو منسحبة وترغب في الانتقام، وكلها نتائج سلبية لا يود الأبوين الوصول إليها؛ وذلك عكس أسلوب العاقبة التي يتبعها تفسير منطقي مما يجعل اعتراض الطفل عليها إن وجد اعتراضا مؤقتا يتبعه قناعة بأن هذا التصرف من والديه كان حكيما وعادلا، أما التساهل؛ فإنه على عكس المتوقع يجعل الأطفال الذين لديهم حرية مطلقة في صنع ما يفعلون بدون إرشاد وتوجيه، لا يشعرون بالأمان لأن القوانين تعطي إحساسا باهتمام الوالدين ومسؤوليتهم تجاه الأطفال.
ولابد من التركيز على الحلول بدلا من اللوم؛ فعندما يخطئ الطفل يسيطر عليه الشعور بالذنب والعجز، واللوم يزيد هذا الشعور ولا يجعله يحسن التصرف في المرة القادمة؛ فهو ينتظر أن تشاركه في اقتراح حلول للمشكلة الناتجة عن خطأه، مما يعزز عنده مهارات حل المشكلات ويرسخ عنده الثقة في قدرته على تجاوز الأزمات على المدى البعيد، وكثرة اللوم والصياح عليه لن تغير السلوك لديه بل ستؤدي إلى طفل محبط وتتزايد مشاعره السلبية تجاه نفسه، وأسوأ ما يمكن أن يفعله الآباء هو قولبة أطفالهم بصفات قد تصبح لصيقة بهم مع تكرارهم لها مع كل خطأ، كأن يخبر الوالدان الطفل أنه «مهمل» أو «فاشل» أو «لا يحسن التصرف أبدا» فهذه القولبة عواقبها وخيمة؛ لذلك لابد من الابتعاد عنها؛ فالأطفال يتصرفون بشكل أفضل عندما يشعرون بشعور جيد؛ فليس هناك طفل سيئ ولكن هناك طفل ينقصه التوجيه والتشجيع، وتقدير أفكاره وشكره على مجهوداته.
وبتهيئة هذه البيئة للتربية الإيجابية ينتج عنها تعليم الطفل مهارات الحياة والمهارات الاجتماعية لبناء شخصية سوية وفعالة، مثل الاحترام وحل المشكلات والاستقلالية والتعاون ومراعاة شعور الآخرين، وكل هذه المهارات تلزم مناخا جيدا يشعر فيه الطفل بأهميته كفرد فاعل مؤثر ومشارك فيما حوله، وتساعد بفعالية وبطرق عملية لإصلاح الشباب والأطفال وتغير من وضعهم إلى وضع يرتقي بالكرامة الإنسانية؛ فلنجتهد في إنشاء جيل صالح متوازن متفهم ولديه القدرة على التعامل مع المتغيرات والتحديات التي تواجهه، جيل قادر علي تحمل المسئولية، ومواجهة الحياة وسوق العمل والمساهمة بفاعلية في نمو ونهضة مجتمعه.

ظهرت المقالة التربية الإيجابية.. ودورها في إعداد الأطفال للمستقبل أولاً على جريدة المساء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى