أخر خبر

رأس المال النفسي

بقلم: أ.د عصام محمد عبدالقادر

(أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بنين بالقاهرة جامعة الأزهر)

إن سعادة الفرد مرهونة بتوافر رأس المال النفسي؛ فلا يتذوق المتعة والسعادة، ولا يعيش جودة الحياة بعيدًا عن هذا المكون الوجداني؛ حيث يشكل المناعة الرئيسة لديه ضد ما قد يواجهه من تهديدات وتعقيدات ومشكلات وتحديات ومتغيرات من شأنها تعكر صفوه أو تسبب له ضعفًا في الاستقرار الحياتي على كافة المستويات؛ فيشعر بأن لديه طمأنينة منقوصة، دومًا ما تخرجه عن حالة الاتزان الانفعالي، بل قد يصل به الأمر لأن يفشل في ضبط انفعالاته سواءً أكانت الظروف والأحوال والأوقات ضاغطة أم في سياجها المعتاد.
وليس هناك شك في أننا نمتلك الرغبة الجامحة تجاه تحقيق الأمن النفسي؛ لنقاوم من خلاله ما قد يؤدي بنا إلى الشعور السلبي لأسباب قوية أو غير قوية حقيقية كانت أم ضعيفة، كي لا نصل لمسببات الإحباط أو الاكتئاب، ومن ثم هناك دعائم تقوي لدينا الإحساس بالأمن النفسي؛ حيث تجنب العزلة والانخراط بصورة مستدامة في التفاعلات الاجتماعية المرتبطة بمهام وظيفية محددة قد نؤديها، أو المشاركة في حوارات ومناقشات من شأنها تزيد من خبرة والتبادل والعمق المعرفي، ونستطيع أن نصوب من خلالها أنماط الفهم الخطأ التي قد نصاب بها من مصادر وأسباب متعددة.

إن بني البشر في أشد الاحتياج للإحساس بالسلم والسلام على المستويين الداخلي والخارجي؛ لتتكامل لديهم مقومات الطمأنينة؛ إذ نعيش فترة حرجة تهدد الكيان الإنساني قاطبة؛ فكيف نتقبل ذواتنا والآخرين في معية المتناقضات والانحرافات الحادة عن المعايير التي ارتضيناها والقيم النبيلة التي آمنا بها وجذرنا لها، بل وعضدنا تشريعاتنا وقوانيننا في ضوئها؛ لنخلق مجتمعات متآلفة، تستطيع أن تتعايش وتستوعب في داخلها تنوعات فكرية، وثقافية، وعقائدية عديدة، ومتعددة.

ويتبادر للذهن تساؤل فحواه: لماذا يشكل رأس المال النفسي أهمية لدينا؟، وهنا نؤكد على مسلمة حياتية تذكر بأن البيئة الآمنة تنشأ في طياتها مشاعر إيجابية تحض الإنسان على تكوين علاقات ناجحة ناضجة يحقق من خلالها كل ما يتمنى، وفي المقابل عندما نفتقد توفير تلك البيئة التي تتسم بالأمان والدفء؛ فإن المهددات بتنوعاتها تجعل الفرد يفقد توازنه وتركيزه، ومن ثم صوابه أو رشده، ويصعب عليه أن يلبي متطلباته واحتياجاته الأساسية، بل وتندثر طموحاته الآنية والمستقبلية.
نحتاج أن نحافظ على هذا المكون الذي نستمد منه الثقة في النفس وفي الآخرين، ويساعدنا في أن نتجاوز المحن والصعوبات والنوازل بكل صورها، ويصنع لنا طريقا مليئا بالأمل نحو مستقبل مشرق، وأن يضعف مسببات القلق التي تفتك بثمار النجاحات، وهنا ينبغي أن نضطلع على ما لدينا من خصائص كي نعمل على تعزيز ذواتنا؛ لنشعر بالسعادة والسرور في علاقتنا السوية مع الآخرين، ولا ينتابنا أي ضغوط أو توترات، وهذا ينقلنا لأن نعي ماهية المرونة وفاعليتها في التعامل مع كل ما هو ضاغط أو مقلق في حد ذاته.
وفي ضوء ما تقدم نؤكد على أهمية العناية بأنفسنا والحفاظ على أمنها؛ لنتمكن من أن نواجه التحدي، وأن نتحكم في المتغيرات رغم تباينها، وأن نبدي إصرارا والتزاما حيال بلوغ الأهداف التي نسعى إلى تحقيقها، وهذا يحتاج لمقدرة وصمود، وانضباط ونوع من المبادأة والحافز والدافعية بما يزيد من النشاط ويسهم في تحقيق إنجازات متتالية.
وحري بالذكر أن الفرد الذي يتوافر لديه رصيدٌ من رأس المال النفسي يستطيع أن يصل لمرحلة الابتكار التي تجعله يغير من حالة الظروف الضاغطة لحالة من الرضا والتقبل التي تعينه على يستغل الفرص ويستفيد أقصى استفادة بكل ما يحيط به من مقومات وإمكانيات، متبعًا استراتيجيات تتسم بالجدة والأصالة في مراحلها، يخلق لنفسه أدوارًا ولمن حوله؛ ليحقق عبر الشراكة وسبل التعاون ما يبهر به الأخرين، ويحد من التحديات والمشكلات التي تم التهويل والتضخيم من شأنها؛ ليصل إلى ما يطمح ويتمنى في وقت قياسي.
ومما لا شك فيه أن زيادة رصيد الفرد من هذا المكون يتعلق بمدى تمسكه بالنظرة التفاؤلية أو الإيجابية لمجريات الأمور وأحداث الحاضر ورؤى المستقبل؛ فإذا تبنى منحى الأمل زادت طاقته الإيجابية واضمحل الإحباط، وندرت السلبية وصارت طريقًا مجهولًا في حد ذاتها، وهذا مجتمعٌ يجعله متمسكًا بأهدافه ساعيًا بجد وجهد وحيوية إلى العمل الدؤوب لتحقيقها عبر ما يخطط من مهام وأنشطة إجرائية تساعده لأن يحقق كل ما يحلم به، ولو بدى في أوله ضربًا من المستحيل من وجهة نظر أصحاب الرصيد المنخفض لرأس المال النفسي.
نحن في احتياج إلى استراتيجيات استباقية تجعلنا قادرين على الاندماج المباشر مع ما يؤديه المجتمع والدولة من أنشطة فنشارك في التخطيط والتنفيذ، ونقوم ما نصل إليه من نتائج كي نعمل على تطوير خبراتنا ونسعى إلى بذل مزيد من الجهد المتواصل، ولا نتقبل أو نقبل كل ما يؤدي إلى إيقاف مسيرة نهضة الدولة ونجازاتها المتوالية المبهرة؛ فنعظم من أفعالنا ولا ننكر ذواتنا، ونؤكد على أن بلوغ المني مرهون بتقدير للذات تحمل بين جنباتها العزيمة المصبوغة بالتفاؤل والأمل.. ودي ومحبتي للجميع.
حفظ الله وطننا الغالي وقيادته السياسية الرشيدة أبدَ الدهر.

ظهرت المقالة رأس المال النفسي أولاً على جريدة المساء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى